مقال رأي| الخليج في مهب الحرب.. هل سقطت منظومة الردع الاقتصادي؟

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

معمر عواد- مقال رأي 

في السياسة، لا تحمي الثروة أصحابها إذا غابت الإرادة، ولا تصنع البيانات قوة ردع إذا افتقدت إلى ما يسندها من قرار سياسي وعسكري. وما تكشفه الحرب الإقليمية الدائرة اليوم، بكل تداعياتها، هو أن دول الخليج تقف أمام أخطر اختبار استراتيجي منذ عقود، بينما تبدو المنظومة الخليجية أكثر انقساماً من أي وقت مضى، وأكثر عجزاً عن إنتاج موقف موحد يوازي حجم التهديدات.

لقد تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية، بينما يقتصر الدور الخليجي، في معظم الأحيان، على إدارة التداعيات لا صناعة الأحداث. لا توجد رؤية سياسية موحدة، ولا عقيدة دفاعية مشتركة، ولا حتى خطاب خليجي واحد يحدد طبيعة المخاطر وكيفية التعامل معها. كل دولة تتحرك منفردة، وفق أولوياتها وحساباتها وعلاقاتها الثنائية، وكأن الخطر الذي يهدد الجار لن يصل إليها غداً.

هذا التشتت لم يعد مجرد خلل سياسي، بل أصبح نقطة ضعف استراتيجية. فمنذ سنوات، تتعرض منشآت سيادية واقتصادية في دول الخليج لاعتداءات مباشرة أو غير مباشرة، وتتعرض الملاحة البحرية لتهديدات متكررة من الجار الشمالي إيران، فيما يبقى الرد محصوراً في بيانات الإدانة والاستنكار والدعوات إلى ضبط النفس. وهي مواقف، مهما كانت مبرراتها الدبلوماسية، لم تنجح في بناء معادلة ردع تمنع تكرار الاعتداءات أو ترفع كلفتها على مرتكبيها.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر خطورة. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز كفيل بإرباك أسواق الطاقة، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وإثارة قلق المستثمرين. وإذا تحول التهديد إلى واقع، فإن اقتصادات الخليج ستكون أمام اختبار بالغ الصعوبة. صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر مكاسب مالية مؤقتة، لكن هذه المكاسب قد تتآكل سريعاً أمام تراجع الصادرات، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الواردات، وتأجيل الاستثمارات، وتقلبات الأسواق المالية.



كما أن برامج التنويع الاقتصادي التي استثمرت فيها دول الخليج مئات المليارات تعتمد، قبل أي شيء، على الاستقرار. فالاستثمار لا يهاجر بسبب انخفاض الأرباح فقط، بل بسبب ارتفاع المخاطر. والأسواق المالية الخليجية أثبتت مراراً أنها من أول المتأثرين بأي تصعيد عسكري، حيث تتراجع شهية المستثمرين وتزداد حدة التقلبات، بينما تجد الحكومات نفسها أمام ضغوط إضافية على الموازنات العامة، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي أو دعم الاقتصاد أو حماية سلاسل الإمداد.

لكن الخلل الأكبر لا يكمن في الجانب الاقتصادي، بل في غياب مشروع أمني خليجي متكامل. فمن غير المنطقي أن تمتلك دول المجلس واحدة من أكبر القدرات المالية في العالم، وأن تنفق عشرات المليارات على التسليح، ثم تبقى عاجزة عن بناء منظومة دفاع جماعي فعالة، أو سياسة خارجية موحدة، أو آلية لاتخاذ قرارات استراتيجية في أوقات الأزمات. إن امتلاك أحدث الأسلحة لا يساوي شيئاً إذا غابت وحدة القرار.

الخلل الأكبر لا يكمن في الجانب الاقتصادي، بل في غياب مشروع أمني خليجي متكامل

ولا يعني ذلك أن الخيار العسكري هو الحل، فالحروب لا تصنع الاستقرار، لكن السلام نفسه يحتاج إلى قوة تحميه، وإلى موقف موحد يمنح الدبلوماسية وزناً.

أما استمرار التعامل مع كل أزمة بمنطق الدولة المنفردة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من هشاشة المنظومة الخليجية وإضعاف قدرتها على حماية مصالحها.

هذه ليست دعوة إلى التصعيد، بل دعوة إلى مراجعة شاملة. مراجعة تعترف بأن العالم تغير، وأن التحالفات الدولية لم تعد ضمانة مطلقة، وأن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة حسابات الآخرين. فالدول التي تريد حماية سيادتها وثرواتها لا تكتفي بردود الفعل، بل تبني استراتيجيات استباقية، وتؤسس لمعادلات ردع واضحة، وتتكلم بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي.

التحالفات الدولية لم تعد ضمانة مطلقة.. وأمن الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة حسابات الآخرين

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل في استمرار غياب الإرادة الخليجية المشتركة. فحين يغيب المشروع، تتقدم الأزمات. وحين يغيب القرار الموحد، تصبح الثروة وحدها عاجزة عن صناعة الأمن.


 

*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية، تعبر عن رأي أصحابها

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة